الخطيب الشربيني

274

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وأسقامها وقال عكرمة : الجوع بمكة تسع سنين أكلوا فيها الجيف والعظام والكلاب ، وقال ابن مسعود : هو القتل بالسيف يوم بدر دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ وهو عذاب الآخرة فإن عذاب الدنيا لا نسبة له إلى عذاب الآخرة ، فإن قيل : ما الحكمة في مقابلة الأدنى بالأكبر ، والأدنى إنما هو في مقابلة الأقصى والأكبر إنما هو في مقابلة الأصغر . أجيب : بأنه حصل في عذاب الدنيا أمران : أحدهما : أنه قريب ، والآخر : أنه قليل صغير ، وحصل في عذاب الآخرة أيضا أمران : أحدهما : أنه بعيد ، والآخر : أنه عظيم كبير ، لكن العرف في عذاب الدنيا هو أنه الذي يصلح للتخويف ، فإن العذاب الآجل وإن كان قليلا فلا يحترز عنه بعض الناس أكثر مما يحترز من العذاب الشديد إذا كان آجلا ، وكذا الثواب العاجل قد يرغب فيه بعض الناس ويستبعد الثواب العظيم الآجل . وأما في عذاب الآخرة فالذي يصلح للتخويف به هو العظيم والكبير لا البعيد ؛ لما ذكر . فقال في عذاب الدنيا : العذاب الأدنى ليحترز العاقل ولو قال تعالى : ولنذيقنهم من العذاب الأصغر ما كان ليحترز عنه لصغره وعدم فهم كونه عاجلا ، وقال في عذاب الآخرة : الأكبر لذلك المعنى ، ولو قال : من العذاب الأبعد الأقصى لما حصل التخويف به مثل ما يحصل بوصفه من الكبر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الإيمان أي : من بقي منهم بعد بدر ، فإن قيل : ما الحكمة في هذا الترجي وهو على الله تعالى محال ، أجيب بوجهين : أحدهما : معناه لنذيقنهم إذاقة الراجي كقوله تعالى إِنَّا نَسِيناكُمْ يعني تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلا كذلك هنا ، والثاني : نذيقنهم العذاب ، إذاقة يقول القائل : لعلهم يرجعون بسببه . وَمَنْ أي : لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ أي : القرآن ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها فلم يتفكر فيها ، وثم لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها وإرشادها إلى أسباب السعادة بعد التذكر بها عقلا كما في بيت الحماسة « 1 » : وما يكشف الغماء إلا ابن حرة * يرى غمرات الموت ثم يزورها أي : لا يكشف الأمر العظيم إلا رجل كريم موصوف بما ذكر ، والغماء بتشديد الميم والمد أي : في مدة اقتحام الحرب ، والشاهد في قوله : ثم يزورها ، إذ المعنى أنه استبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها واستيقنها واطلع على شدتها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ أي : الكافرين مُنْتَقِمُونَ وعبر بصيغة العظمة تنبيها على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على مجرد العداد في الظالمين فكيف إذا كانوا أظلم الظالمين ، والجملة الاسمية تدل على دوام ذلك عليهم في الدنيا إما باطنا بالاستدراج بالنعم ، وإما ظاهرا بإحلال النقم وفي الآخرة بدوام العذاب على ممر الآباد . ولما قرر الأصول الثلاثة وعاد إلى الأصل الذي بدأ به وهو الرسالة المذكورة في قوله تعالى لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ [ القصص : 46 ] بين أنه ليس بدعا من الرسل بقوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي : الجامع للأحكام وهو التوراة فكان قبلك رسل مثلك ، وذكر موسى عليه السّلام لقربه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو أول من أنزل عليه كتاب من أنبياء بني إسرائيل بعد فترة كثيرة من الأنبياء بينه

--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .